الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

129

تفسير روح البيان

قال في الاسرار المحمدية ذوات السموم تؤثر بكيفياتها الخبيثة الكامنة فيها بالقوة فمتى قابلت عدوها انبعثت منها قوة غضبية وتكيفت نفسها بكيفية خبيثة مؤذية ومنها ما تشتد كيفيتها وتقوى حتى تؤثر في إسقاط الجنين ومنها ما يؤثر في طمس البصر ومنها ما يؤثر في الإنسان كيفيتها بمجرد الرؤية من غير اتصال به لشدة خبث تلك النفس وكيفيتها الخبيثة المؤثرة والتأثير غير موقوف على الاتصالات الجسمية بل بعضه بالمقابلة والرؤية كما اشتهر عن نوع من الأفاعي انها إذا وقع بصرها على الإنسان هلك فهو من هذا الجنس ولا يستعبد ان تنبعث من عين يعض الناس جواهر لطيفة غير مرئية فتتصل بالمعين وتتخلل مسام جسمه اى ثقبه كالغم والمنخر والاذن فيتضرر به وإذا كانت النفوس مختلفة في جواهرها وماهياتها لم يمتنع أيضا اختلافها في لوازمها وآثارها فلا يستبعد ان يكون لبعض النفوس خاصية التأثير المذكور وبه يحصل الجواب عمن أنكر إصابة العين وقال إنها لا حقيقة لها لان تأثير الجسم في الجسم لا يعقل الا بواسطة المماسة ولا مماسة هاهنا فامتنع حصول التأثير انتهى وعقلاء الأمم على اختلاف مللهم ونحلهم لا تدفع امر العين ولا تنكره وبعض النفوس لا تحتاج إلى المقابلة بل بتوجه الروح ونحوه يحصل الضرر فربما يوصف الشيء للأعمى فتؤثر نفسه فيه بالوصف من غير مقابلة ورؤية وإذا قتلت ذوات السموم بعد لسعها خفّ اثر لسعها لان الجسد تكيف بكيفية الاسم وصار قابلا للانحراف فما دامت حية فان نفسها تمده بامتزاج الهولء بنفسها وانتشاق الملسوع به قال الجاحظ علماء الفرس والهند وأطباء اليونانيين ودهاة العرب وأهل التجربة من المعتزلة وحذاق المتكلمين كانوا يكرهون الاكل بين يدي السباع يخافون عيونها لما فيها من النهم والشره لما ينحل عند ذلك من أجوافها من البخار الرديء وينفصل من عيونها ما إذا خالط الإنسان نقصه وأفسده وكانوا يكرهون قيام الخدم بالمذاب والأشربة على رؤسهم مخافة العين وكانوا يأمرون اتباعهم قبل ان يأكلوا ان يطردوا الكلب والسنور أو يشغلوه بما يطرح له ومن هذا يعرف بعض اسرار قوله عليه السلام من أكل وذو عينين ينظر اليه ولم يواسه ابتلا بداء لا دوآء له وفائدة الرقى ان الروح إذا تكيفت به وقويت واستعانت بالنفث والتفل قابلت ذلك الأثر الذي حصل من النفوس الخبيثة والخواص الفاسدة فأزالته والحاصل ان الرقية بما ليس بشرك مشروعة لكن التحرز من العين لازم وانه واجب على كل مسلم أعجبه شئ ان يبرك ويقول تبارك اللّه أحسن الخالقين اللهم بارك فيه فإنه إذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة ومن عرف بإصابة العين منع من مداخلة الناس دفعا لضرره قال بعض العلماء يأمره الامام بلزوم بيته وان كان فقيرا رزقه ما يقوم به معاشه ويكف أذاه عن الناس وقيل ينفى والاحتياط الأمر بلزوم بيته دون الحبس والنفي وبهذا التقرير يعرف حال المجذومين ولذا اتخذوا لهم في بعض البلاد مكانا مخصوصا بحيث لا يخالطون الناس ولا يشاركونهم في محلاتهم وذكر الجاحظ ان أعجب ما في الدنيا ثلاثة اليوم لا تظهر بالنهار خوفا ان تصيبها العين لحسنها قال في حياة الحيوان ولما تصور في نفسه انه أحسن الحيوان لم يظهر الا بالليل